الواحدي النيسابوري

74

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

فقال : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً « 1 » ، فجعل اللّه عزّ وجلّ أمن مكّة آية لإبراهيم ، فلم يطمع في أهلها جبّار ، وكان فيما عطف اللّه تعالى من قلوب العرب في الجاهليّة على من لاذ بالحرم حتّى يؤمّنوه : ( أنّه ) « 2 » آية بيّنة ، يدلّ على ( هذا ) « 2 » قول قتادة في قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً قال : كان ذلك في الجاهليّة ، فأمّا اليوم إن سرق فيه أحد قطع ، ( « 3 » وإن قتل « 3 » ) فيه قتل « 4 » . وقوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وقرئ : حِجُّ الْبَيْتِ ( « 5 » بكسر الحاء « 5 » ) ، والمفتوح مصدر ؛ وهو لغة أهل الحجاز ، والمكسور : اسم للعمل . قال سيبويه : ويجوز أن يكون مصدرا ، كالعلم والذّكر . قوله : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال الزّجّاج : موضع « مَنْ » خفض على البدل من « النَّاسِ » . المعنى : وللّه على من استطاع من النّاس حجّ البيت [ أن يحج ] « 6 » . وجمهور أهل العلم : على أنّ معنى الاستطاعة الموجبة للحجّ : القوّة ، فمن قوى في نفسه ( بالكون ) « 7 » على الرّاحلة وجب عليه الحجّ ، إذا ملك الزّاد والرّاحلة ، وهذا قول ابن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد ، ومذهب الشّافعىّ وأحمد وإسحاق « 8 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة : 136 ، وانظر معناها فيما تقدم من الجزء الأول من هذا الكتاب صفحة ( 192 - 193 ) . ( 2 ) الإثبات عن ج . انظر ( معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1 : 455 - 456 ) . ( 3 - 3 ) ج - : « ولو قتل » . ( 4 ) وكذا ابن عباس ومجاهد ، وبعض الصحابة والتابعين ، كما في ( تفسير الطبري 4 : 12 - 13 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 140 - 141 والدر المنثور 2 : 54 - 55 ) و ( تفسير ابن كثير 2 : 65 ) وانظر ( تفسير ابن عطية 3 : 27 ) . ( 5 - 5 ) ج : « بالكسر » وهي قراءة حمزة وحفص والكسائي ، وكذا أبو جعفر وخلف ، لغة نجد ، وافقهم الأعمش ، وعن الحسن كسره حيث أتى . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ، وأبو بكر ، عن عاصم وابن عامر : حج البيت - بفتح الحاء - وهي لغة أهل العالية والحجاز وأسد : ( السبعة في القراءات 251 ) و ( إتحاف فضلاء البشر 178 ) . ( 6 ) ما بين الحاصرتين عن قول الزجاج ، كما في ( معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1 : 456 ) . ( 7 ) ب : « بالركون » . ( اللسان - مادة : كون ) : « قال ابن الأثير : الكون - مصدر كان التامة . يقال : كان يكون كونا ، أي وجد واستقر : قال الواحدي : يعنى من قوى في نفسه ، فلا تلحقه المشقة في الكون على الراحلة ، فمن كان بهذه الصفة ، وملك الزاد والراحلة وجب عليه الحج » ( الوجيز في التفسير للواحدي 1 : 111 ) . ( 8 ) وكذا الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، وعبد العزير بن أبي سلمة ، وابن حبيب ، وانظر تفصيل هذا الخلاف في ( تفسير القرطبي 4 : 147 - 153 ) .